محمد بن الطيب الباقلاني

36

إعجاز القرآن

/ ومنها أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة ، والتصرف البديع ، والمعاني اللطيفة ، والفوائد الغزيرة ، والحكم الكثيرة ، والتناسب في البلاغة . والتشابه في البراعة ، على هذا الطول ، وعلى هذا القدر . وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة ، وإلى شاعرهم ( 1 ) قصائد محصورة ، يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال ، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف ، ويشملها ( 2 ) ما نبديه من التعمل والتكلف ، والتجوز والتعسف . وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسبا في الفصاحة ، على ما وصفه الله تعالى به ، فقال عز من قائل : ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ، مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) * ( 3 ) وقوله : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ( 4 ) فأخبر سبحانه أن كلام الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت ، وبان عليه الاختلال . وهذا المعنى هو غير المعنى الأول الذي بدأنا بذكره ، فتأمله تعرف الفصل ( 5 ) . * * * / وفى ذلك معنى ثالث : وهو أن عجيب نظمه ، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين ، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها : من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج ، وحكم وأحكام ، وإعذار وإنذار ، ووعد ووعيد ، وتبشير وتخويف ، وأوصاف ، وتعليم أخلاق كريمة ، وشيم رفيعة ، وسير مأثورة . وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها . ونجد كلام البليغ الكامل ، والشاعر المفلق ، والخطيب المصقع - يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور . فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو . ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح . ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين . ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ .

--> ( 1 ) م : " شاعر " ( 2 ) س : " ويقع فيها " ( 3 ) سورة الزمر : 23 ( 4 ) سورة النساء : 82 ( 5 ) س : " الفضل "